الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

208

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ الشعراء : 216 ] ، وللأمر ب تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ، فصفة السَّمِيعُ مناسبة للقول ، وصفة الْعَلِيمُ مناسبة للتوكل ، أي أنه يسمع قولك ويعلم عزمك . وضمير الفصل في قوله : هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ للتقوية . [ 221 - 223 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 221 إلى 223 ] هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ ( 223 ) لما سفّه قولهم في القرآن : إنه قول كاهن ، فرد عليهم بقوله : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ [ الشعراء : 210 ] وأنه لا ينبغي للشياطين ولا يستطيعون مثله ، وأنهم حيل بينهم وبين أخبار أوليائهم ، عاد الكلام إلى وصف حال كهانهم ليعلم أن الذي رموا به القرآن لا ينبغي أن يلتبس بحال أوليائهم . فالجملة متصلة في المعنى بجملة : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ [ الشعراء : 210 ] ، أي ما تنزّلت الشياطين بالقرآن على محمد هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ . وألقي الكلام إليهم في صورة استفهامهم عن أن يعرّفهم بمن تتنزل عليه الشياطين ، استفهاما فيه تعريض بأن المستفهم عنه مما يسوءهم لذلك ويحتاج فيه إلى إذنهم بكشفه . وهذا الاستفهام صوري مستعمل كناية عن كون الخبر مما يستأذن في الإخبار به . واختير له حرف الاستفهام الدال على التحقيق وهو هَلْ لأن هل في الاستفهام بمعنى ( قد ) والاستفهام مقدّر فيها بهمزة الاستفهام ، فالمعنى : أنبئكم إنباء ثابتا محققا وهو استفهام لا يترقب منه جواب المستفهم لأنه ليس بحقيقي فلذلك يعقبه الإفضاء بما استفهم عنه قبل الإذن من السامع . ونظيره في الجواب قوله تعالى : عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [ النبأ : 1 ، 2 ] وإن كان بين الاستفهامين فرق . وفعل أُنَبِّئُكُمْ معلق عن العمل بالاستفهام في قوله : عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ . وهو أيضا استفهام صوري معناه الخبر كناية عن أهمية الخبر بحيث إنه مما يستفهم عنه المتحسّسون ويتطلبونه ، فالاستفهام من لوازم الاهتمام . والمجرور مقدم على عامله للاهتمام بالمتنزّل عليه ، وأصل التركيب : من تنزّل عليه الشياطين ، فلما قدم المجرور دخل حرف عَلى على اسم الاستفهام وهو مَنْ لأن ما صدقها هو المتنزّل عليه ، ولا يعكر عليه أن المتعارف أن يكون الاستفهام في صدر